تالين (استونيا)، 02 جوان 2026 (واص)- سلط مركز الدراسات CEEShub في استونيا الضوء على الصحراء الغربية كاخر مستعمرة في أفريقيا وتداعيات ذلك على السلم والامن العالمي في مقال يقارن بين نضال الشعب الصحراوي والفلسطني من اجل انهاء الاستعمار.
وفي مقال مطول لمركز الدراسات الاستوني، التابع لجامعة تالين ويعنى بالأمن في وسط وشرق أوروبا، تناول القضية الصحراوية كقضية تتطلب حلا عادلا وذلك بعد تنظيم ندوة بعنوان القانون الدولي ومسؤولية الامم المتحدة في انها الاستعمار في الصحراء الغربية يوم 05 ماي المنصرم بمشاركة ممثل جبهة البوليساريو في دول البلطيق الاخ حدي الكنتاوي، ضمن مجموعة من الدكاترة والباحثين في العلوم السياسية، وتزامنا مع الاحتفالات المخلدة للذكرى الخمسين لاعلان الجمهورية، والذكرى الثالثة والخمسين لتاسيس جبهة البوليساريو واندلاع الكفاح المسلح ضد الاستعمار الاسباني.
ونشر المركز مقالات مطولا على موقعه الرسمي على شبكة الإنترنت قارن من خلاله بين نضال الشعب الصحراوي والفلسطسيني ضد الاستعمار والقمع، حيث كان المقال مساهمة من الدكتورة ماورا اسيس التي تطرقت في مدخل مقالها الى استطلاع رأي أُجري عام 2010 وخلص الى وجود إجماع على اعتبار التضامن الدولي "شرطًا أساسيًا" للتعاون داخل "المجتمع الدولي".
وقالت الباحثة أن هذا المنطق البديهي، المستمد من ميثاق الأمم المتحدة نفسه، يُعتبر في حالات مثل فلسطين والصحراء الغربية أمرًا مثيرًا للجدل عند تطبيقه عمليًا. ومع ذلك، تُصرّ الشعوب المضطهدة على تذكير "المجتمع الدولي"، الذي ربما يُنظر إليه بصورة مثالية، والمُشار إليه في إعلانات الأمم المتحدة، بمسؤولياته.
وبينما يبدو الكثيرون في حيرة من أمرهم إزاء عجز الدول والمؤسسات، أو عدم رغبتها، في وقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية للفلسطينيين في غزة، فإن معظمهم يجهل العواقب الوخيمة لاحتلال المغرب واستعماره للصحراء الغربية.
وقالت الدكتورة "إن تقديم سرد نقدي وتاريخي للهيمنة الأجنبية والنظام الدولي الذي يُتيحها ضروري لإنهاء الصراعات الممتدة. وتُعدّ فلسطين والصحراء الغربية مثالين بارزين على كيفية استمرار الاستعمار، حيث رسّخ جذوره بقوة، واشتمل على أشكال جديدة من الاستعباد.
كما تطرقت إلى نماذج من الأنظمة الإمبريالية والاستعمارية الأوروبية الأخرى التي فُرضت في أفريقيا وجنوب غرب آسيا (المعروفة أيضًا بالشرق الأوسط)، مشيرة الى ان إسبانيا طالبت بالصحراء الغربية في مؤتمر برلين عام 1884 . واحتلت بريطانيا فلسطين بعد ثلاثين عامًا في الحرب العالمية الأولى، وهو ما حوّلته عصبة الأمم إلى انتداب (1922 -1948 ). تختلف كل حالة عن الأخرى، لكن استبدال المركز الأوروبي بكيان إقليمي أو كيان سياسي جديد يُعد جزءًا من تكوينها كنظم استيطانية استعمارية تظل متوافقة مع الاستراتيجيات الإمبريالية.
وكذلك ابرزت ان هذا ما حدث في فلسطين والصحراء الغربية حيث ان: في فلسطين، قامت بريطانيا والحركة الصهيونية بتهجير الفلسطينيين وإفقارهم ونزع سلاحهم، بينما كانتا تعملان على بناء ما سيصبح لاحقًا دولة يهودية. وفي خضم تصاعد الصراع، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 الذي أقر خطة تقسيم فلسطين إلى دولتين عام 1947. وفي الوقت نفسه، قتلت الميليشيات الصهيونية وطردت آلاف الأشخاص، مما أدى إلى نزوح أكثر من ستة ملايين شخص، وأُقيمت دولة إسرائيل على 78% من فلسطين عام 1948، في عملية تهجير مستمرة بلغت ذروتها في الإبادة الجماعية المعروفة بالنكبة.
في الصحراء الغربية، وبعد أن أدرجتها الأمم المتحدة كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي في عام 1963، حاولت إسبانيا اضفاء شرعية احتلالها للاقليم لكنها فشلت في التلاعب بالتمثيل السياسي للصحراويين لتحديد مصير البلاد وأوقفت عملية إنهاء الاستعمار، ووقعت اتفاقية ثلاثية سرية لنقلها إلى المغرب وموريتانيا المجاورتين في عام 1975. ثم بدأ استيلاء المغرب من خلال الغزو والقصف بالنابالم، مما أدى إلى مذبحة واختفاء قسري وتشتت جزء من سكان الصحراء الغربية إلى الجزائر، حيث لا يزال أكثر من 170 ألف لاجئ موجودين حتى الآن، بينما سحبت موريتانيا مطالبتها في عام 1979 واعترفت بالجمهورية الصحراوية.
مبرزة وسائل النضال المتشابهة بين الشعبين الفلسطسنس والصحراوي في رفض سياسة امر الواقع القائمة على منظق الضم بالقوة: لكن الفلسطينيين والصحراويين لطالما حشدوا أنفسهم في جمعيات ونقابات وأحزاب سياسية، مطورين وعياً وطنياً مناهضاً للاستعمار، ومعززين التضامن الدولي. وفي مواجهة قمع المستعمرين، نظموا أنفسهم في جبهات تحرير وطنية - منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) عام 1973 - وأطلقوا نضالات مسلحة. ثم أعلنت البوليساريو قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية مع انسحاب إسبانيا عام 1976، بينما مثّل إعلان قيام دولة فلسطين تحولاً استراتيجياً لمنظمة التحرير الفلسطينية نحو حل الدولتين عام 1988.
عندما تقاوم الشعوب، لا يمكن تطبيق الاستعمار إلا من خلال القمع الممنهج ولذلك، فرضت إسرائيل والمغرب احتلالاً عسكرياً مطولاً لفرض سيطرة إقليمية وديموغرافية، واستخدمتا أساليب مماثلة، كبناء الحواجز المادية. وبهذه الطريقة، تُمكّن إسرائيل والمغرب من توطين السكان الأجانب، واستغلال الموارد، وتسويق المنتجات في الأسواق العالمية. وبذلك، يُضمن التراكم الرأسمالي ليس فقط هناك، بل أيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وخارجها. وهكذا، يُعد الاستعمار جزءاً من التجارة.
في غضون ذلك، ومن خلال تصوير هذه المحن على أنها "صراعات مستعصية"، وتحويل الحق إلى مسألة قابلة للتفاوض، وفرض "تنازلات" على المحتل في عمليات دبلوماسية مطولة، ينحاز "الوسطاء" كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى جانب المحتلين، بدلاً من ممارسة واجبهم في دعم تحقيق حق تقرير المصير .
ورغم الإدانات المحدودة والعقوبات المتقطعة المفروضة على "المستوطنين المتطرفين"، الذين يُنظر إليهم كأفراد بدلاً من فهمهم كجزء من نظام قمعي أوسع، يُعلن الاتحاد الأوروبي، شأنه شأن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، دعمه الثابت لإسرائيل، بما في ذلك تزويدها بالوسائل، فضلاً عن النفوذ السياسي. وفي حالة المغرب، أيدت إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضمها للصحراء الغربية، والذي يرقى إلى ضم الإقليم وسكانه تحت وضع حكم ذاتي غامض، ما يُعدّ قمعاً جديداً لإرادة الشعب الصحراوي في الاستقلال.
إن الصلة بين هذه المحن تُبرز تناقضات عميقة. فقد تجاهلت القوى العالمية مطلب حق تقرير المصير في فلسطين والصحراء الغربية لتأمين مصالحها الاستراتيجية. واليوم، تبدو هاتان المنطقتان أبعد ما يكون عن السلام والأمن اللذين تدعيان الترويج لهما. ومع ذلك، يؤكد الصحراويون والفلسطينيون باستمرار أن تحريرهم شرط أساسي لتحقيق العدالة العالمية، مما يُضفي طابعًا دوليًا على نضالهم من خلال تسليط الضوء على المسؤولية الدولية.
في سياق إدانة التواطؤ أو الإهمال، يكشف باحثون فلسطينيون وإسرائيليون وغيرهم عن البُعد الاستعماري الكامن وراء نزع الإنسانية عن الفلسطينيين في الخطاب والسياسات، حتى من قِبل الجهات التي يُفترض بها العمل على وقف الإبادة الجماعية المستمرة، في المقابل، يُجري باحثون من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الجنوب العالمي دراساتٍ حول دور حكوماتهم وجامعاتهم ومؤسساتهم الأخرى في منظومة الظلم العالمية، وكيف يتحول العنف المُمارس ضد الفلسطينيين إلى حرب أو اضطهاد للمجتمعات المهمشة في أماكن أخرى.
مبرزة في نهاية المقال اصرار الصحراويين والباحثين والمنظمات المستقلة على اعتبار الصحراء الغربية مسالة تصفية استعمار بالرغم من الة الضغط الرهيبة من المحتل المغربي وحلفائه.
حيث تختم الباحثة "في المقابل، يُصرّ الصحراويون وغيرهم من الباحثين والناشطين على أن قضية الصحراء الغربية هي مسألة إنهاء استعمار، رافضين محاولات المغرب وحلفائه لتشويهها وتحويلها إلى صراع داخلي أو إقليمي. إذ يواجه بعضهم السجن والتعذيب بسبب التعبئة والتغطية الإعلامية من تحت الاحتلال، فيلجؤون إلى الشبكات والمنظمات الدولية، أو يستضيفون برلمانيين وباحثين ووفودًا أخرى لإظهار واقعهم وعزمهم. وبعد التزامها بوقف إطلاق النار من عام 1991 حتى عام 2020، دعت جبهة البوليساريو مرارًا وتكرارًا إلى إجراء الاستفتاء الموعود والمساءلة من خلال التواصل مع الأمم المتحدة أو الدول بشكل ثنائي، كما طعنت في الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب المتعلقة بموارد الصحراء الغربية أمام محكمة العدل الأوروبية.
وهكذا، تُعدّ هذه استراتيجية متعددة الجوانب تهدف إلى تحقيق التحرر الوطني من خلال إشراك "مجتمع دولي" قائم على احترام المساواة وحق تقرير المصير. من البديهي أن يكون الباحثون جزءاً من هذا "المجتمع"، شأنهم شأن الفاعلين السياسيين الآخرين الملزمين بالدفاع عن حقوق الشعوب. والعمل انطلاقاً من هذه المسؤولية هو ما سيقودنا من مجرد ترديد مفهوم مجرد آخر إلى ممارسة فعّالة للتضامن الدولي.
تجدر الاشارة الى ان كاتبة المقال الدكتورة موارا أسيس كريفلينتي هي باحثة ما بعد الدكتوراه في مركز الدراسات الاجتماعية (CES) بجامعة كويمبرا، البرتغال.(واص)