جنوب أفريقيا تدعو إلى المساءلة وحماية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية المحتلة

جنيف
أربعاء 09/09/2026 - 21:34

جنيف (مجلس حقوق الإنسان الأممي) 9 سبتمبر 2026 (واص)– دعت جنوب أفريقيا إلى تعزيز التحرك الدولي لحماية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية المحتلة، ووضع حد للإفلات من العقاب على الانتهاكات المرتكبة بحق المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان، وضمان احترام حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وجاءت هذه الدعوة على لسان السفير الجنوب أفريقي زاهر لاهير ، اليوم الأربعاء، خلال ندوة نظمت على هامش الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان الأممي بجنيف، وخصصت لمناقشة قضايا الاحتجاز التعسفي وضمانات المحاكمة العادلة وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان في الصحراء الغربية المحتلة.

وفي مداخلة باسم جنوب أفريقيا، التي شاركت في رعاية الندوة، أعرب السفير زهير عن بالغ القلق إزاء التقارير المستمرة بشأن الاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة وحرمان المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان، بمن فيهم الطلبة والنشطاء الشباب، إلى جانب الصحفيين والمحامين، من ضمانات المحاكمة العادلة.

وشدد على أن هذه الانتهاكات لا يمكن معالجتها بمعزل عن واقع الاحتلال، ولا سيما في ظل غياب الرقابة الفعالة على حقوق الإنسان والمساءلة، داعيا المجتمع الدولي إلى ضمان حماية حقوق الشعب الصحراوي وتمكينه من تحديد مستقبله السياسي بحرية.

وجدد السفير تضامن جنوب أفريقيا مع الشعب الصحراوي في "نضاله المشروع من أجل تقرير المصير والتمتع الكامل بحقوقه الإنسانية"، مشيدا بالمدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان الذين أُفرج عنهم مؤخرا، وهم أعضاء مجموعة الطلبة الصحراويين: الكنتاوي البر، وعزيز الوحيدي، وعبد المولى الحافظي، ومحمد دادا، الذين قضوا عشر سنوات رهن الاعتقال.

واستحضر السفير أوجه التشابه مع تاريخ جنوب أفريقيا نفسها، مذكرا بماضي نظام الفصل العنصري، حين استخدمت السلطات أدوات مماثلة لتجريم الأشخاص الذين تجرؤوا على المطالبة بحقوقهم وحرياتهم الأساسية. وأشار إلى أن العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا كانوا من الطلبة الذين اضطلعوا بدور قيادي في النضال من أجل الحرية.

وذكر بشكل خاص طلبة سويتو الذين خرجوا إلى الشوارع في 16 يونيو 1976، في مظاهرات سلمية احتجاجا على نظام التعليم في ظل الفصل العنصري، غير أنهم قوبلوا بالرصاص. وقال إن نضالهم لم يذهب سدى، إذ أطلق عقودا من الاحتجاجات في جنوب أفريقيا وحول العالم، انتهت في نهاية المطاف بوضع حد لحكومة الفصل العنصري.

وبمناسبة الذكرى الخمسين لانتفاضة سويتو، شدد السفير على أن جنوب أفريقيا تتحمل، من هذا المنطلق، "واجبا" يتمثل في ضمان ألا تتكرر على الآخرين الفظائع التي عاشها أولئك الطلبة والأجيال التي جاءت من بعدهم.

وفي هذا السياق، أعرب عن بالغ قلق جنوب أفريقيا إزاء التقارير المتواصلة بشأن الاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة وحرمان المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان، بمن فيهم الطلبة والنشطاء الشباب، فضلا عن الصحفيين والمحامين، من ضمانات المحاكمة العادلة.
وأشار إلى أن هذه التقارير تأكدت بصورة متواترة، من بين جهات أخرى، من خلال نتائج فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي ولجنة مناهضة التعذيب، كما أيدتها عدة جهات مكلفة بولايات في إطار الإجراءات الخاصة. غير أنه شدد على أن المساءلة، رغم هذه النتائج، ظلت بعيدة المنال.

وانتقد السفير الجنوب أفريقي كذلك عدم تحرك مجلس حقوق الإنسان، مؤكدا أن المجلس مكلف بتعزيز حقوق الإنسان على الصعيد العالمي وليس بصورة انتقائية، محذرا من أن عدم التحرك يتيح استمرار الإفلات من العقاب وغياب المساءلة.

ودعا مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى مواصلة بذل جميع الجهود المتاحة من أجل ضمان الوصول إلى الصحراء الغربية، والتأكد من توثيق وضع حقوق الإنسان فيها والإبلاغ عنه واتخاذ الإجراءات بشأنه، بنفس القدر من الصرامة والاستعجال المطبقين على الحالات الأخرى المدرجة على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان.

وشدد الدبلوماسي الجنوب أفريقي على أن ولاية المفوض السامي لا تتضمن أي استثناء جغرافي، ولا تتوقف عند حدود الأراضي التي قد تكون قضاياها السياسية غير مريحة، مشيرا إلى أنه لا يوجد ما يمنع المفوض السامي من إعداد تقرير بشأن الصحراء الغربية، كما حدث في حالات أخرى تعذر فيها الوصول إلى الإقليم.

كما سلط السفير الضوء على ما وصفه بالغياب الفريد لولاية خاصة بحقوق الإنسان ضمن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، مشيرا إلى أن بعثات حفظ السلام والبعثات السياسية التابعة للأمم المتحدة المنتشرة في حالات النزاع أو الاحتلال تتضمن عادة مكونات لحقوق الإنسان، واصفا ذلك بأنه ممارسة معيارية، ولا سيما في القارة الأفريقية.

وقال: "المينورسو هي الاستثناء"، معتبرا أن الضغوط السياسية والمعايير المزدوجة أسهمت بصورة فعالة في الإبقاء على هذا الوضع، بما يوحي بأن القواعد العادية لا تنطبق على حالة الصحراء الغربية، أو بأن حقوق الإنسان لبعض الأشخاص أهم من حقوق الآخرين.

وأضاف أن المعايير المزدوجة التي برزت في مجلس الأمن الدولي تظهر أيضا في مجلس حقوق الإنسان.
وأكد السفير الجنوب أفريقي أن غياب التدقيق والمراقبة لا يمكن اعتباره أمرا عرضيا، وأن قضايا مثل الاحتجاز التعسفي والحرمان من ضمانات المحاكمة العادلة لا يمكن معالجتها بمعزل عن بعضها. وقال إنها، في الواقع، أعراض لاحتلال يحرم شعبا من حقه في تحديد مستقبله السياسي.
وحذر من أنه "ما دام هذا الحرمان مستمرا"، فإن الاعتقالات التعسفية والاحتجاز دون محاكمة والتعذيب والمحاكمات ذات الدوافع السياسية وقمع التجمع السلمي ومضايقة المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان، بمن فيهم الطلبة المدافعون عن حقوق الإنسان، ومراقبتهم، ستستمر.

وذكر بأن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أقرت بهذا الترابط منذ عام 2006، عندما أعربت عن بالغ القلق إزاء وضع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية وربطت الانتهاكات مباشرة بحرمان الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير.
وشدد السفير على أن الحق في تقرير المصير لا يمكن استبداله أو إعادة تفسيره أو تقييده من خلال ترتيبات تفرض دون موافقة حرة ومعبر عنها من الشعب المعني. ووصف حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير بأنه حق غير قابل للتصرف، مكرس في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ومنصوص عليه في العهدين الدوليين لحقوق الإنسان اللذين يشكلان إطارا لعمل مجلس حقوق الإنسان، كما أكدته قرارات عديدة للجمعية العامة ومجلس الأمن الدوليين.
كما أشار إلى أن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب تناولا بدورهما الحق في تقرير المصير.
وفي ختام مداخلته، حذر السفير الجنوب أفريقي من أنه في عالم يشهد في الوقت الراهن هجوما مستمرا على العمل الدولي متعدد الأطراف والقانون الدولي وحقوق الإنسان، لم يعد بإمكان المجتمع الدولي تحمل وضع يخدم فيه القانون مصالح الأقوياء أو القلة فقط.
وأكد أنه، ما لم يتم وضع حد حاسم للاحتلال غير القانوني المستمر للصحراء الغربية، الذي لا يزال يمثل قضية تصفية استعمار مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة، "فلن يكون الشعب الصحراوي حرا".
ودعا، في هذا السياق، إلى تحرك جماعي يضمن للشعب الصحراوي أن يختار أخيرا مصيره من خلال استفتاء يتيح التعبير الحقيقي عن حقه في تقرير المصير. (واص)
 

Share