الشهيد الحافظ، 06 ابريل 2026 (واص)-أصدر المكتب الصحراوي لتنسيق الاعمال المتعلقة بالألغام دراسة تحليلية منهجية لاستخدام الطائرات المسيّرة في الصحراء الغربية خلال الفترة 2021–2024، مع تحديث للمعطيات إلى سنة 2025. تستند الدراسة إلى بيانات ميدانية جمعها مكتب SMACO، وتشمل تحليل أنماط الهجمات، خصائص الضحايا، والتداعيات الإنسانية والقانونية.
وتشير نتائج الدراسة إلى تصاعد ملحوظ في استخدام الطائرات المسيّرة كأداة حرب، مع تسجيل 123 هجوماً بين 2021 و2024، تلتها 6 0هجمات إضافية خلال سنة 2025 أسفرت عن أكثر من 10 ضحايا مدنيين.
كما كشفت الدراسة عن نمط استهداف ممنهج للمدنيين، خاصة المسافرين والأنشطة الاقتصادية الهشة، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وأشارت الدراسة الى ان استخدام الطائرات المُسيّرة شكلت تحولًا استراتيجيًا في طبيعة النزاع، إذ يتيح تنفيذ ضربات دقيقة عن بُعد دون مخاطر مباشرة على القوات المهاجمة فيما يُعرف بمفهوم “صفر مخاطر”. كما تسهم في ترسيخ ما يُسمى بـ“عقلية البلايستيشن”، التي تُفضي إلى نزع الطابع الإنساني عن الحرب
وابرزت الدراسة أن هذا التطور لم يُواكَب باحترام كافٍ لقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة مبادئ التمييز والتناسب، ما انعكس في استهداف مناطق مدنية بعيدة عن جبهات القتال.

وفي هذا السياق، أشارت الدراسة الى ان المغرب عزز قدراته العسكرية عبر شراكة أمنية متنامية مع إسرائيل ضمن ما يُعرف بـ"الاتفاقات الإبراهيمية"، حيث لم يقتصر التعاون على استيراد الطائرات المُسيّرة، بل امتد ليشمل نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي داخل المغرب، بما في ذلك إنتاج أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة وقد شهد هذا التعاون تصاعدًا ملحوظًا منذ عام 2022
وفي تحليل للبيانات تلاحظ الدراسة انخفاضا تدريجيا بين عامي 2021 و2023، تلاه ارتفاع ملحوظ في عام 2024، ثم عاد المؤشر لينخفض مجددًا في عام 2025 إلى مستوى 4 %، مسجّلًا أدنى قيمة له خلال كامل الفترة، مما يشير إلى تحسن كبير في سلوك الظاهرة محلّ الدراسة.
وفي هذا الصدد تقول الدراسة "في الحقيقة لا توجد مؤشرات واضحة يمكن إرجاع هذا الانخفاض إليها، إلا أن تضافر عدة عوامل، من بينها تكثيف حملات التوعية لتغيير سلوك الناس، وتحسن جودة التدخلات الميدانية، إضافة إلى الضغط الناتج عن التقارير وآليات المتابعة، فضلًا عن بعض العوامل الظرفية مثل إخلاء المناطق المعرضة للخطر من طرف المجموعات المستهدفة قد تكون ساهمت بشكل جزئي في هذا التراجع".
وتضيف الدراسة "وعلى كل حال، رغم الانخفاض النسبي بعد 2021، فإن استمرار الهجمات في 2025 يؤكد أن الظاهرة بُنيوية وليست ظرفية"
وتتطرق الدراسة الى نسبة الهجمات بالسنوات وعدد الضحايا والتوزيع الجغرافي لمواقع وأماكن الاستهداف، مشيرة الى إلى أن عدداً كبيراً من هجمات الطائرات المُسيّرة وقع في مناطق بعيدة بعشرات، بل مئات الكيلومترات عن الجدار العسكري المغربي، وهو ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف خارج مناطق المواجهة المباشرة. وتُظهر هذه الوقائع بوضوح أن المدنيين المستهدفين لا يشكلون أي تهديد عسكري، ولا يتواجدون بالقرب من جبهات القتال أو نقاط الاشتباك
وتشير الدراسة الى الأثر الإنساني وتداعيات هجمات الطائرات المسيرة حيث شمل النزوح جماعي للسكان الصحراويين من المناطق المحررة مثل التفاريتي وامهيريز وآغوينيت وميجك وبئر لحلو وزوگ، حيث أُجبرت عائلات على مغادرة مساكنها نحو مناطق أكثر أمانًا داخل الجزائر أو موريتانيا. وقد خلّفت هذه الهجمات حالة من الرعب العام بين المدنيين، خاصة النساء والأطفال، وظهور مظاهر القلق والصدمة ولا يقتصر التأثير على الخسائر المباشرة، بل يمتد ليشمل تغيير نمط حياة السكان بالكامل، إذ أصبح الخوف من تحليق الطائرات المسيّرة حاضرًا بشكل دائم
وتتطرق الدراسة الى الابعاد القانونية لهذه الاعتداءات، مبرزة ان هذه الأخيرة تمت في مناطق صحراوية مكشوفة، تمتد على أراضٍ قاحلة وجدباء تفتقر تمامًا إلى الغطاء النباتي، مما يجعل الرؤية واضحة والمساحات مكشوفة بشكل كبير. في ظل هذه الظروف، يصبح من السهل للغاية التحقق من أدق التفاصيل، بدءًا من ألوان وأشكال المركبات، وصولًا إلى الأمتعة الشخصية للضحايا ووسائلهم، الأمر الذي يتيح تمييزًا دقيقًا بين الأهداف العسكرية والمدنية. ورغم هذا الوضوح، فإن تلك الاعتداءات لم تميز ، مما يعكس واقعًا مأساويًا يفاقم من معاناة السكان في هذه المناطق النائية
وتقول الدراسة "كما ذكر مكتب SMACO في التقرير السابق، فإن هذه الهجمات وقعت في مناطق لا ينشط فيها الجيش الصحراوي، مما يعني أن العديد من الضحايا مكثوا لعدة ساعات وأيام دون أن تقدم لهم خدمات المساعدة الطبية والإجلاء. وما قضية امبارك السباعي مع صديقه الذي قتل في إمريكلي ، حيث مرت أكثر من 23 يومًا دون الاستفادة من دفن لائق وكريم، حسب تصريح صديق له وقد تأكد مكتب SMACO من هذه المعلومة بالتواصل مع ارملة الشهيد . ويخشى أصدقاء وأقارب الضحايا المغامرة من اجل اجلاء الضحايا خوفًا من تعرضهم للقصف بطائرات مسيرة مغربية، كما هو الحال مع الشاب
ديديه محمود اهويبيتا حيث تعرض للهجوم مباشر بصاروخ أثناء محاولته مساعدة بعض الضحايا الذين استشهدوا في 24 نوفمبر 2022 في آحفير الحدودية الصحراوية الموريتانية".
وذكرت الدراسة حالات من التأثيرات النفسية الحادة قد وثقتها، والتي تسببها الهجمات بالطائرات المسيرة ، وذلك بسبب طبيعتها المفاجئة والدقة العالية في إصابة الأهداف. ومن أبرز التأثيرات النفسية:
- اضطراب ما بعد الصدمة: يتعرض الضحايا لشعور دائم بالخوف والقلق، وقد يعانون من كوابيس وأعراض قلق مستمرة نتيجة الصدمات التي خلفتها الهجمات.
- القلق والتوتر المزمن: العيش تحت تهديد مستمر بالهجمات بالطائرات المسيّرة يؤدي إلى حالة من التوتر الدائم، حيث يشعر الأفراد أنهم مستهدفون في أي لحظة. (ح ا ) في ولاية السمارة
- الاكتئاب وفقدان الأمل: تؤدي الهجمات إلى فقدان الأحباء أو فقدان المأوى، مما قد يسبب شعورًا بالعجز واليأس، خاصة في المناطق التي تشهد هجمات متكررة.
- الرهاب والخوف من الفضاء المفتوح: يُصاب بعض الأشخاص برهاب يُعرف بـ "رُهاب السماء المفتوحة"، حيث يتجنبون الخروج أو التجول خشية التعرض لهجوم مفاجئ. حالة الشاب الصحراوي (م ع ) القاطن بولاية السمارة. وشاب اخر في ولاية اوسرد.
- اضطرابات النوم والأرق: الضجيج المستمر للطائرات المسيرة في بعض المناطق يسبب اضطرابات نوم حادة تؤثر على الصحة النفسية والجسدية للأشخاص. (حالة بعض العائلات الصحراوية التي استقرت على خط الحدود الدولية)
وإلى جانب الأثر النفسي، يمكن للهجمات التي تُشن باستخدام الطائرات المسيرة أن تسبب حالات تسمم خطير، وذلك اعتمادًا على الذخائر أو المواد المستخدمة في الهجوم. ومن بين المخاطر المحتملة:
- التسمم بالمواد الكيميائية: بعض الطائرات المسيرة قد تُستخدم لنقل ونشر مواد كيميائية أو غازات سامة، مما يؤدي إلى أعراض مثل التقيؤ، وصعوبة التنفس، وتهيج العينين والجلد، مثل السيدة (ع م) المصابة حاليا بتدميع مستمر جراء قصف في أكتوبر 2021
- التسمم بالدخان والغازات السامة: قد تؤدي إلى انبعاث مواد سامة في الهواء، مثل أول أكسيد الكربون، والديوكسينات، والمواد الهيدروكربونية السامة. مثال الهجوم الذي وقع يوم 25 نوفمبر 2021 حيث قتلت هذه المواد عشرات الرؤوس من الغنم.
ومن الاستنتاجات التي توصلت اليها الدراسة والعوامل الواجب اخذها في الاعتبار أن
المعطيات الميدانية خلال الفترة 2021–2025 تشير إلى تصاعد ملحوظ في استخدام الطائرات المسيّرة في الصحراء الغربية، بما يعكس تحولًا نوعيًا في تكتيكات العمليات العسكرية. ويبرز هذا التحول من خلال التركيز المتزايد على استهداف الأفراد المتنقلين والبنية التحتية المدنية، وهو ما تؤكده المؤشرات الإحصائية، لا سيما الارتفاع النسبي في عدد القتلى مقارنة بالجرحى، بما يدل على الطبيعة عالية الفتك لهذه الهجمات.
كما يكشف التوزيع الجغرافي والديمغرافي للضحايا، والذي يشمل أساسًا مدنيين من الجنسية الصحراوية والموريتانية، عن أنماط استهداف تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، لتطال فئات سكانية محددة وأنشطة مدنية بحتة. ويشمل ذلك، في حالات متعددة، أطفالًا وممتلكات مدنية، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى توثيق هذه الوقائع ضمن آليات دولية مستقلة، بهدف ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
وتبرز الدراسة الصمت الدولي والتقصير في الرصد الحقوقي على الرغم من أن حماية المدنيين في النزاعات المسلحة تُعد التزامًا راسخًا بموجب القانون الدولي الإنساني، فإن محدودية التفاعل الدولي مع هذه الوقائع تطرح إشكاليات تتعلق بفعالية آليات الرصد والمساءلة. وفي هذا الإطار، يُلاحظ غياب تقارير مفصلة أو تحقيقات مستقلة من بعض الفاعلين الدوليين الرئيسيين، بما في ذلك المنظمات الحقوقية الدولية.
وتضيف الدراسة "ويؤدي هذا النقص في التوثيق والمتابعة إلى إضعاف فرص المساءلة، وقد يساهم بشكل غير مباشر في استمرار الانتهاكات، في ظل غياب ردع دولي فعّال".
وفي تطرق الدراسة الى المسؤوليات الدولية المحتملة تقول الدراسة "تُثير بعض المعطيات المتعلقة بمسارات الطيران واستخدام المجال الجوي تساؤلات قانونية بشأن مسؤوليات أطراف ثالثة. وفي هذا السياق، يمكن النظر في مدى انطباق قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، كما وردت في مشروع مواد لجنة القانون الدولي لعام 2001، خاصة في الحالات التي قد يُفهم فيها وجود تسهيل أو تسامح مع أنشطة قد تترتب عنها أضرار جسيمة للمدنيين "، مضيفة أن هذه المسألة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الوضع القانوني للصحراء الغربية كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وما يرتبه ذلك من التزامات دولية ذات صلة.
. وتؤكد الدراسة وجود افلات من العقاب حيث تشير المعطيات المتوفرة إلى غياب اعتراف رسمي بالمسؤولية عن هذه الهجمات، وهو ما يطرح تحديات إضافية أمام جهود التحقيق والمساءلة. ويُسهم هذا الوضع في تكريس نمط من الإفلات من العقاب، قد تكون له تداعيات سلبية على حماية المدنيين وعلى الاستقرار الإقليمي على المدى المتوسط والبعيد.
واختتمت الدراسة بالتوصيات التالية:
- تعزيز آليات الرصد والتوثيق الدولي
- فتح تحقيقات مستقلة
-توفير الحماية للمدنيين
-دعم برامج التوعية.
(واص)