الشهيد الحافظ (مخيمات اللاجئين الصحراويين)، 20 سبتمبر 2026 (واص)– أكد المهندس الفلاحي الصحراوي، الطالب إبراهيم، أن مقاربة التغير المناخي في الصحراء الغربية لا يمكن أن تقتصر على مؤشرات ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات، بالنظر إلى هشاشة المجال الصحراوي وما تعرض له على مدى عقود من تدخلات عسكرية واستعمارية واستغلال غير مستدام للموارد الطبيعية.
جاء ذلك خلال مداخلته اليوم السبت بمقر وزارة الخارجية، في إطار الندوة المخصصة لتقديم التقرير الجديد للمرصد الصحراوي للثروات الطبيعية وحماية البيئة المعنون ب: «بصمة النهب: الكلفة البيئية لاستغلال الثروات الطبيعية في الصحراء الغربية»، والتي أشرف على تقديمها الأخ بلاهي التيرسال، مدير قسم أوروبا بوزارة الخارجية، واختتمتها الأخت النكية سالم، عضو الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو ومسؤولة أمانة التأطير والمنظمات الجماهيرية والمجتمع المدني.
وشارك في تقديم مداخلات حول التقرير كل من السيدة ياقوتة المخطار، رئيسة المرصد الصحراوي للثروات الطبيعية وحماية البيئة، والدكتور غالي الزبير، رئيس الهيئة الصحراوية للبترول والغاز ومستشار المرصد، والسيد غيثي النح، إلى جانب السيد الطالب إبراهيم، المهندس الفلاحي والإطار بوزارة التنمية، بحضور باحثين وخبراء وممثلي مؤسسات ومنظمات دولية وفعاليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام.
وأوضح المهندس الصحراوي أنه يريد تسليط الضوء على عدد من المفاهيم الأساسية في النقاش المناخي الدولي، وفي مقدمتها "المساهمات المحددة وطنيا"، وهي الالتزامات التي تقدمها الدول في إطار اتفاق باريس بهدف خفض انبعاثات غازات الدفيئة وتعزيز القدرة على مواجهة آثار تغير المناخ، إلى جانب مفهومي "التكيف" و"التخفيف"، باعتبار الأول مجموعة الإجراءات الرامية إلى الحد من آثار التغير المناخي والتعامل مع تداعياته، والثاني التدابير المرتبطة بخفض الانبعاثات أو تعزيز القدرة على امتصاصها.
وتوقف المتدخل عند الإشكالية المرتبطة بكيفية انعكاس هذه الالتزامات والسياسات على الصحراء الغربية، باعتبارها إقليما غير مستقل ذاتيا في منظومة الأمم المتحدة، ما يزال مسجلا في لائحة تصفية الاستعمار، مؤكدا أن أي نقاش حول السياسات المناخية في الإقليم لا يمكن فصله عن هذه الخصوصية.
وفي استعراضه للخلفية التاريخية، أشار إلى أن الصحراء الغربية عرفت منذ عقود تحولات مناخية قاسية، من بينها موجات الجفاف التي اشتدت خلال أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، وما ترتب عنها من تأثيرات على الموارد المائية والمراعي وأنماط الحياة التقليدية للسكان الصحراويين.
غير أنه شدد على أن آثار التغيرات المناخية لا يمكن فصلها عن التدخلات الاستعمارية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، مستحضرا عملية "أكوفيون" سنة 1958، باعتبارها عملية عسكرية فرنسية-إسبانية واسعة النطاق، وما رافقها من استخدام مكثف للقوات والآليات والطائرات، وما خلفته من اضطراب وتشريد للسكان وقضاء على الأنشطة الرعوية والبيئة الصحراوية.
وفي السياق الراهن، أوضح المتحدث أن الهشاشة المناخية والبيئية تزداد بفعل آثار البنية العسكرية والاستغلال الاقتصادي المتنامي للإقليم، مشيرا إلى أن الجدار العسكري المغربي لا يشكل، بحسب المداخلة، حاجزا سياسيا وعسكريا فحسب، بل يخلف أيضا آثارا على حركة السكان والرعاة والحيوانات وعلى تواصل النظم البيئية.
كما أثار جملة من التساؤلات بشأن التعدين واستغلال الموارد الطبيعية والتوسع الزراعي في جنوب الصحراء الغربية، خصوصا في ظل ندرة المياه وهشاشة النظم البيئية. وأكد أن المشاريع الزراعية والصناعية واسعة النطاق ينبغي ألا تقاس فقط بحجم الإنتاج والاستثمار، وإنما أيضا باستهلاك المياه وتأثيرها على التربة والمياه الجوفية والنظم البيئية، فضلا عن انعكاساتها على قدرة السكان المحليين على التكيف مع تغير المناخ.
وتطرق المهندس الفلاحي كذلك إلى مشاريع الطاقة المتجددة، موضحا أن الاعتراض لا ينصب على مبدأ الانتقال إلى الطاقة النظيفة، بل على ضرورة إخضاع هذه المشاريع لمعايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والقانونية. فكون المشروع يعتمد على الرياح أو الشمس، حسب المتدخل، لا يعني تلقائيا أنه مستدام، ما لم تؤخذ في الاعتبار طبيعة الموقع والموارد المستعملة والآثار البيئية والاجتماعية، فضلا عن مسألة المستفيدين من المشاريع وحقوق السكان المعنيين.
وفي هذا الصدد، أشار إلى توسع مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية في الصحراء الغربية وربط بعضها بالصناعات التعدينية والزراعية وتحلية المياه ومشاريع الهيدروجين الأخضر. كما استشهد بإدراج المنصة الرسمية المغربية لتتبع إجراءات التخفيف المناخي لمشروع مزرعة رياح بقدرة 40 ميغاواط في الداخلة ضمن إجراءات التخفيف المرتبطة بالمساهمات المحددة وطنيا للمغرب.
وطرح المتحدث، في هذا الإطار، إشكالية جوهرية تتعلق بما إذا كان بالإمكان اعتبار مشروع “أخضر” من الناحية التقنية مستداما من الناحية البيئية والقانونية والاجتماعية، إذا أقيم في إقليم متنازع على وضعه وفي غياب موافقة الشعب الصحراوي، معتبرا أن المسألة تتجاوز بعدها التقني لتلامس مفهوم العدالة المناخية.
وأكد أن الانتقال الطاقوي ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج أنماط استخراج الموارد تحت مسميات جديدة، مشددا على ضرورة النظر إلى الصحراء الغربية باعتبارها منظومة بيئية هشة لها حدودها الطبيعية، وإقليما يعيش فيه شعب له حقوق، وفضاء يحتاج إلى حماية بيئية حقيقية.
وخلص المهندس الفلاحي الطالب إبراهيم إلى أن النقاش المناخي حول الصحراء الغربية ينبغي أن ينتقل من التركيز على حجم الطاقة النظيفة التي يمكن إنتاجها إلى طرح أسئلة تتعلق بالأثر البيئي للمشاريع، والجهة التي تتحمل كلفتها، والمستفيد من عائداتها، وتأثيرها على المياه والتربة والتنوع البيولوجي، ومدى احترامها لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وسيادته الدائمة على موارده الطبيعية.
وأكد أن مواجهة تغير المناخ في الصحراء الغربية تقتضي مقاربة متكاملة تجمع بين حماية النظم البيئية، والحد من الاستغلال المفرط للموارد، وتحقيق العدالة المناخية واحترام الحقوق القانونية للشعب الصحراوي، محذرا من أن يتحول “الاقتصاد الأخضر” إلى غطاء جديد لاستمرار الاستغلال على حساب البيئة وحقوق الشعوب. (واص)
090/500/60 (واص)