سبتة ومليلية تعيدان شبح الأطماع التوسعية المغربية إلى الواجهة الإسبانية وتذكر بتداعيات القضية الصحراوية

crowd migrants ceuta
جمعة 21/08/2026 - 16:09

مدريد (إسبانيا) 21 أغسطس 2026 (واص)- أعادت الأزمة التي شهدتها مدينة سبتة، وما رافقها من تحركات ومحاولات عبور جماعي قادمة من الأراضي المغربية، ملف المطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية إلى الواجهة السياسية والإعلامية الإسبانية، في تطور يثير مخاوف متزايدة من أن تتحول أزمة الهجرة إلى مدخل لإعادة طرح أجندة الرباط التوسعية في المحافل الدولية.

وتزامنت الأزمة مع تصاعد النقاش داخل إسبانيا بشأن مستقبل المدينتين، فيما أعادت وسائل إعلام إسبانية وأوروبية التذكير بأن المطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية ليست جديدة، وأن الرباط ظلت، منذ عقود، تدرج المدينتين ضمن تصورها الإقليمي الأوسع كمدينتين مغربيتين محتلتين. وتشير دراسات تاريخية إلى أن المطالب المغربية الإقليمية امتدت، منذ ستينيات القرن الماضي، إلى مناطق ومدن تخضع للسيادة الإسبانية مثل جزر الكاناري، بالتوازي مع مطالبها التوسعية المتعلقة بالصحراء الغربية.

ويكتسب استحضار هذا البعد أهمية خاصة في الظرف الراهن، لأن الأزمة الحدودية لم تعد تُقرأ في إسبانيا باعتبارها مجرد موجة هجرة غير نظامية، بل بدأت تثير تساؤلات حول إمكانية توظيف أدوات الضغط غير التقليدية لإعادة فرض قضايا السيادة والأراضي على جدول الأعمال السياسي.

وقد رافق ذلك تصاعد خطاب يربط بين أزمة سبتة وبين السياسة المغربية تجاه الأراضي التي تعتبرها الرباط "مطالب وطنية"، فيما اعتبرت تحليلات إسبانية أن ما جرى قد أعاد إلى الذاكرة مخاوف مرتبطة بالضغط المغربي على إسبانيا.

وفي قراءة أوسع للتطورات الأخيرة، لا تبدو الهجمة الجماعية على سبتة ومليلية مجرد أزمة هجرة عابرة، بل تأتي في سياق تاريخي وسياسي أوسع تطبعه النزعة التوسعية للمخزن المغربي، التي امتدت أطماعها، منذ الاستقلال، إلى أراضٍ جزائرية وموريتانية وصحراوية، وظلت تتجدد بأشكال مختلفة كلما سنحت الظروف. فقد خاض المغرب في ستينيات القرن الماضي حرباً ضد الجزائر بسبب مطالب إقليمية مزعومة، ورفض الاعتراف بموريتانيا عشر سنين قبل أن يضطر إلى ذلك لاحقاً، ثم اجتاح الصحراء الغربية سنة 1975 في محاولة لفرض الأمر الواقع بالقوة، وهو ما يجعل الإرث التوسعي المغربي عاملاً لا يمكن تجاهله عند قراءة ما يجري اليوم على الحدود الإسبانية.

ومن هذه الزاوية، فإن وصول عشرات الآلاف من المغاربة إلى سبتة ومحاولات التوجه نحو مليلية، في موجة جماعية غير مسبوقة، يطرح أسئلة تتجاوز البعد الإنساني لظاهرة الهجرة، خصوصاً عندما تتزامن مع تنامي الخطاب المغربي بشأن المدينتين وعودة الدعوات المطالبة بهما إلى الواجهة. فبدلاً من النظر إلى هذه التطورات باعتبارها أحداثاً منفصلة، تبرز الحاجة إلى قراءتها ضمن سياق سلوك إقليمي لدولة لم تتخل، وفق التجربة التاريخية، عن طموحاتها التوسعية، وهو ما يثير مخاوف مشروعة بشأن انعكاسات ذلك على أمن واستقرار المنطقة المغاربية والمتوسطية.

ويكتسب هذا السياق أهمية أكبر بالنسبة للقضية الصحراوية، باعتبار أن اجتياح الصحراء الغربية واحتلال أجزاء منها منذ سنة 1975 يشكل أبرز تجليات المشروع التوسعي المغربي المعاصر. فالمغرب لا يواجه شعباً صحراوياً يطالب بحقه في تقرير المصير فحسب، وإنما يواصل، منذ عقود، محاولة تكريس واقع احتلالي بالقوة وفرض الأمر الواقع على إقليم لا يزال مدرجاً لدى الأمم المتحدة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ومن ثم، فإن ربط استقرار المنطقة بتكريس هذا الواقع أو مكافأة القوة المحتلة على حساب الشرعية الدولية لا يمكن أن يشكل أساساً دائماً للسلم والأمن.

وبذلك، تكشف التطورات المتسارعة أن الخطر الذي تمثله السياسة المغربية لا ينبغي اختزاله في ملف الهجرة، أو المخدرات أو تصدير الإرهاب، أو في الخلافات الثنائية مع إسبانيا، بل يستدعي قراءة إقليمية أشمل لطبيعة سلوك دولة ارتبط تاريخها الحديث بنزاعات ومطالب إقليمية مع كل جيرانها، وتواصل اليوم إنتاج التوتر حول محيطها الأوسع. ومن منظور الأمن الإقليمي، فإن استمرار هذه النزعة التوسعية، إلى جانب استخدام أوراق الهجرة والمخدرات والأمن للضغط على الجيران والشركاء الأوروبيين، يجعل من السياسة المغربية عاملاً مقلقاً للسلم والأمن والاستقرار في شمال أفريقيا ومنطقة غرب المتوسط.

وتكتسب عودة النقاش حول سبتة ومليلية أهمية إضافية في ضوء الأزمة الحالية، إذ إن استمرار الضغط على الحدود الإسبانية يمكن أن يدفع مدريد إلى إعادة تقييم سياستها تجاه الرباط، خصوصاً إذا تكررت موجات العبور الجماعي أو انتقلت الضغوط إلى ملفات أخرى.

كما أن الأزمة قد تضع الاتحاد الأوروبي أمام سؤال أوسع بشأن طبيعة علاقته بالمغرب: هل يتعلق الأمر بشراكة متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة واحترام القانون الدولي، أم بعلاقة تعتمد فيها أوروبا على موقع المغرب الجغرافي لضبط حدودها، مقابل حصول الرباط على مكاسب سياسية واقتصادية؟

وبالنسبة للشعب الصحراوي، فإن ما يجري على الضفة الشمالية للمتوسط يحمل درساً سياسياً واضحاً لمن يحتاجه، ومفاده أن التنازل عن احترام مبادئ الشرعية الدولية لا يضع حداً للأطماع التوسعية المغربية بل يزيدها خطورة، كما أن تجاهل حق شعب في تقرير مصيره لا يضمن الاستقرار مع دولة ترى في التوسع حلا لمشاكلها الداخلية، وتألف تصدير أزماته للخارج لتوريط حلفائه في أزمات ومستنقعات استعمارية جديدة.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن الأزمة المغربية-الإسبانية مرشحة للبقاء مفتوحة، وأن مستقبل العلاقة بين البلدين لن يتحدد فقط بملف الهجرة، وإنما أيضاً بمدى قدرة مدريد على إعادة تعريف علاقتها مع الرباط بعيداً عن سياسة المقايضة، وبما يضمن عدم تحويل الملفات الأمنية والاقتصادية إلى أدوات للابتزاز السياسي.

وفي هذا السياق، تبرز القضية الصحراوية مجدداً باعتبارها اختباراً حقيقياً لمصداقية السياسة الخارجية الإسبانية، فإما أن تستمر مدريد في ربط مصالحها قصيرة المدى بتنازلات سياسية لصالح الاحتلال المغربي، أو أن تعود إلى موقف ينسجم مع مسؤوليتها التاريخية والقانونية تجاه إقليم كان خاضعاً لإدارتها الاستعمارية، وتدعم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره واستكمال تصفية الاستعمار. (واص)

090/500/60 (واص)

Share