لايبزيغ الألمانية تحتضن محاضرات حول الصحراء الغربية والقانون الدولي وآثار جدار الاحتلال

ث
خميس 29/10/2026 - 15:40


لايبزيغ (سكسونيا )، 29 أكتوبر 2026(واص)في إطار فعاليات ملتقى الشباب الصحراوي الألماني الفرنسي، المنعقد بالكلية الشعبية بمدينة لايبزيغ الألمانية، احتضنت أمس الأربعاء الفعاليات محاضرتين تناولتا الأبعاد القانونية والسياسية والحقوقية والبيئية لقضية الصحراء الغربية، بمشاركة حسان ميليد علي، منسق اللجنة الوطنية الصحراوية لحقوق الإنسان في أوروبا، والسيد الحسين سعد بوه، عضو المجلس الدستوري وقاضٍ بالمحكمة العليا.

وقدم حسان ميليد علي محاضرة بعنوان «الصحراء الغربية في ضوء القانون الدولي»، استعرض خلالها الوضع القانوني للإقليم، وحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، إلى جانب المسؤوليات الدولية المترتبة على استمرار قضية تصفية الاستعمار، وما يرافقها من انتهاكات للحقوق الأساسية للشعب الصحراوي.

الصحراء الغربية وقضية تصفية الاستعمار

تناول المحاضر الخلفية القانونية والتاريخية للقضية الصحراوية، باعتبار الصحراء الغربية إقليماً مدرجاً على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لدى الأمم المتحدة منذ عام 1963، مؤكداً أن الوضع القانوني للإقليم يظل مرتبطاً باستكمال عملية تصفية الاستعمار، وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

واستحضر في هذا السياق الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 16 أكتوبر 1975، الذي لم يثبت وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية أو المجموعة الموريتانية من شأنها أن تلغي تطبيق مبدأ تقرير المصير على الشعب الصحراوي. وأكد أن هذا الرأي يشكل إحدى المرجعيات القانونية الأساسية لفهم طبيعة القضية الصحراوية وضرورة تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير مصيره بحرية.

ف

كما تطرق إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 الصادر عام 1970، المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، مبرزاً أهمية احترام حق الشعوب في تقرير المصير، وضرورة التمييز بين الوضع القانوني للإقليم وبين المطالبات السياسية الرامية إلى فرض حلول لا تستند إلى الإرادة الحرة للشعب المعني.

وتناول المحاضر كذلك التطورات التي أعقبت انسحاب إسبانيا من الإقليم سنة 1976، موضحاً أن الانسحاب لم يؤدِّ، وفقاً للتحليل القانوني الذي عرضه، إلى نقل السيادة على الصحراء الغربية. كما أثار مسألة استمرار المسؤولية الدولية عن استكمال تصفية الاستعمار، وما يرتبط بذلك من ضرورة احترام الوضع القانوني للإقليم وحق شعبه في تقرير مصيره.

الثروات الطبيعية وحق الشعب الصحراوي في موارده

وشكل موضوع الثروات الطبيعية للصحراء الغربية محوراً أساسياً في المحاضرة، حيث ركز حسان ميليد علي على العلاقة بين الوضع القانوني للإقليم وحق الشعب الصحراوي في التصرف الحر في ثرواته وموارده الطبيعية، باعتبار هذا الحق جزءاً لا يتجزأ من حقه في تقرير المصير.

واستعرض في هذا الإطار الأحكام الصادرة عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في أكتوبر 2024، والتي أكدت، في ما يتعلق بالاتفاقيات الأوروبية المغربية محل النزاع، أن الصحراء الغربية إقليم منفصل ومتميز عن المملكة المغربية، وأن تطبيق الاتفاقيات على الإقليم يرتبط باحترام حقوق الشعب الصحراوي والحصول على موافقته وفقاً للشروط القانونية ذات الصلة.

وأشار المحاضر إلى أن استغلال الموارد الطبيعية للإقليم، سواء تعلق الأمر بالثروات المعدنية أو الأنشطة الزراعية والبحرية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، يثير إشكالات قانونية وسياسية عندما يتم دون احترام حقوق الشعب الصحراوي ومصالحه، أو دون الحصول على الموافقة المطلوبة وفقاً للقواعد القانونية المطبقة.

كما استشهد بالمادة 20 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، التي تؤكد حق الشعوب في تقرير المصير، وحقها في التصرف الحر في ثرواتها ومواردها الطبيعية. وشدد على ضرورة أن تتحمل الجهات الاقتصادية والتجارية مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وألا تتحول الأنشطة الاستثمارية والتجارية إلى وسيلة لتكريس واقع الاحتلال أو الاستفادة من استمرار النزاع.

وفي هذا السياق، دعا إلى إخضاع أنشطة الشركات المتورطة في استغلال الموارد الطبيعية للصحراء الغربية، بما فيها الجهات التي تقدم خدمات التأمين والتغطية لهذه الأنشطة، للفحص القانوني اللازم، من أجل تحديد مدى احترامها لقواعد القانون الدولي والتزاماتها ذات الصلة.

الانتهاكات الحقوقية وضرورة المساءلة

وتطرقت المحاضرة إلى الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المدنيون الصحراويون، بما في ذلك حالات الاختفاء القسري، والقصف الذي استهدف مناطق مدنية، والمقابر الجماعية المكتشفة في منطقة فدرة لقويعة، وما ارتبط بها من فحوصات جنائية وتحليلات للحمض النووي كشفت عن مقتل ثمانية مدنيين صحراويين.

كما أشار المحاضر إلى التحقيقات القضائية التي شهدتها إسبانيا في هذا السياق، مؤكداً أهمية مواصلة التحقيقات المستقلة والمعمقة لتحديد المسؤوليات الجنائية عن الجرائم المشتبه في ارتكابها، والاعتماد على الأدلة المادية والشهادات الموثوقة والمعايير القانونية الدولية في تحديد طبيعة الانتهاكات والمسؤوليات المترتبة عليها.

وأكد أن معالجة قضية الصحراء الغربية لا يمكن أن تقتصر على البحث عن تسوية سياسية فحسب، بل ينبغي أن تشمل أيضاً احترام حقوق الإنسان، وضمان حماية المدنيين، وكشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الماضية، والعمل على وضع حد للإفلات من المساءلة، بما ينسجم مع مبادئ العدالة وحقوق الشعوب.

جدار الذل والعار وآثاره الإنسانية والبيئية

وفي السياق ذاته، ألقى الأخ الحسين سعد بوه، عضو المجلس الدستوري وقاضٍ بالمحكمة العليا، محاضرة تناول فيها «جدار الذل والعار» وآثاره الكارثية على الإنسان والبيئة، مسلطاً الضوء على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والبيئية للجدار الذي يقسم الصحراء الغربية ويترك آثاراً عميقة على حياة السكان والمجال الطبيعي.

وتندرج هذه المداخلة ضمن النقاش حول التداعيات المستمرة للنزاع على حياة الصحراويين، وما يترتب على وجود الجدار من معاناة إنسانية وتقييد لحركة السكان والتواصل الاجتماعي، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالألغام ومخلفات الحرب، وما تفرضه من تهديدات مستمرة على حياة المدنيين، ولا سيما الرعاة وسكان المناطق القريبة من الجدار.

كما يطرح البعد البيئي للجدار أسئلة مهمة بشأن انعكاساته على المجال الطبيعي والحياة البرية وحرية تنقل الحيوانات، فضلاً عن المخاطر التي تفرضها الألغام ومخلفات الحرب على البيئة وعلى إمكانية استغلال الأراضي بصورة آمنة. وتبرز هذه الآثار الحاجة إلى معالجة الأبعاد الإنسانية والبيئية للنزاع، وعدم حصر النقاش في جوانبه السياسية والعسكرية فقط.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في سياق تعزيز الوعي لدى الأجيال الشابة بالتكلفة الإنسانية والبيئية لاستمرار النزاع، وبضرورة حماية المدنيين والبيئة، والعمل على إيجاد حلول تضمن الأمن والكرامة وحقوق الإنسان.

القانون الدولي مدخل إلى الحل العادل والدائم

وفي ختام محاضرته، شدد حسان ميليد علي على أن قضية الصحراء الغربية تظل قضية تصفية استعمار لم تستكمل بعد، وأن أي تسوية عادلة ودائمة ينبغي أن تقوم على احترام القانون الدولي، وضمان حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، بعيداً عن الحلول المفروضة التي تتجاوز إرادته الحرة.

كما أبرز التناقض القائم بين المبادئ القانونية الدولية المعترف بها وبين الصعوبات التي تحول دون تنفيذها الفعلي في حالة الصحراء الغربية، داعياً إلى تعزيز الالتزام الدولي بالشرعية الدولية، واحترام حقوق الشعب الصحراوي في الحرية والسيادة على موارده الطبيعية، وضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة.

وتندرج المحاضرتان ضمن أهمية ملتقى الشباب الصحراوي الألماني الفرنسي باعتباره فضاءً للحوار وتبادل المعارف والتجارب بين الشباب، وتعزيز الوعي بالقضية الصحراوية من أبعادها القانونية والسياسية والحقوقية والبيئية. كما تسهم هذه اللقاءات في توسيع النقاش حول قضايا التحرر وتصفية الاستعمار، وربط المعرفة القانونية بالواقع الإنساني، بما يعزز فهم الأجيال الشابة لتحديات النزاع وضرورة التوصل إلى حل عادل يستند إلى القانون الدولي ويحترم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال.واص).

Share