دبلوماسية صحراوية تؤكد: "بناء الحاضنة المجتمعية يمثل الرهان الاستراتيجي لاستدامة الدعم للقضية الصحراوية"

aabida 26
ثلاثاء 28/07/2026 - 23:14

الجزائر، 28 يوليو 2026 (واص) – أكدت مديرة العلاقات متعددة الأطراف والمنظمات الدولية بوزارة الشؤون الخارجية الصحراوية، الأخت اعبيدة محمد مزين، أن التحدي الذي يواجه القضية الصحراوية بشكل مستمر لم يعد يقتصر على الحفاظ على شرعيتها القانونية أو حضورها في الأجندة الدبلوماسية، بل يتمثل في تعزيز الحاضنة المجتمعية القادرة على حمل القضية وإعادة إنتاجها معرفيا عبر الأجيال، بما يضمن استدامة الدعم لها مهما تغيرت الظروف السياسية والإعلامية.

جاء ذلك خلال محاضرة تحت عنوان "المجتمع المدني وإدارة الشبكات: نحو بناء حاضنة مجتمعية مستدامة للقضية الصحراوية" ألقتها اليوم الثلاثاء ضمن أشغال الملتقى العلمي الدولي المنظم من قبل المعهد الوطني الجزائري للدراسات الاستراتيجية الشاملة، بالشراكة مع المركز الصحراوي للدراسات الاستراتيجية المعنقد حول موضوع " قضية الصحراء الغربية: الجذور التاريخية، الوضعية الراهنة، والآفاق في ظل التحولات الدولية".

واستهلت المحاضِرة مداخلتها بالتأكيد على أن العلاقات الدولية شهدت خلال العقود الأخيرة توسعا في دائرة الفاعلين المؤثرين، فلم تعد الحكومات وحدها تصنع المواقف الدولية، بل أصبحت الجامعات، ومراكز البحث، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات، والهيئات الثقافية، والفاعلون الرقميون شركاء في تشكيل الرأي العام وصناعة السرديات المتعلقة بالقضايا الدولية.

وأوضحت أن اتساع دائرة الفاعلين لا يعني بالضرورة ترسخ القضية داخل المجتمع، مبرزة ضرورة التمييز بين الحضور الإعلامي والسياسي للقضية وبين تجذرها في الوعي المجتمعي، معتبرة أن الحضور قد ينتج عن حدث سياسي أو حملة إعلامية، بينما يتحقق التجذر عندما تصبح القضية جزءا من المعرفة العامة والذاكرة الجماعية والثقافة السياسية للمجتمع.

وفي هذا السياق، قدمت المحاضرة إطارا مفاهيميا يميز بين مستويات الحضور العام، والتعاطف، والتضامن، والدعم السياسي والمؤسساتي، وصولا إلى التجذر المجتمعي، الذي وصفته بأنه المرحلة التي تصبح فيها القضية معروفة في عناصرها الأساسية، وحاضرة في التعليم والبحث العلمي والإعلام والثقافة، وقادرة على توليد مبادرات مستمرة بعيدا عن المناسبات الظرفية.

كما استعرضت أبرز الأدبيات الحديثة في العلاقات الدولية التي تناولت دور الفاعلين غير الحكوميين، من قبيل نظريات القوة الناعمة، والدبلوماسية العامة، والشبكات العابرة للحدود، والمقاربة البنائية، وأدبيات الحركات الاجتماعية، مبرزة أن هذه المقاربات، رغم أهميتها، لا تقدم تفسيرا كاملا للكيفية التي تنتقل بها قضية دولية من مجرد موضوع يحظى بدعم رسمي وإعلامي إلى قضية متجذرة داخل المجتمع وقادرة على إعادة إنتاج نفسها.

وانطلاقا من ذلك، اقترحت المتدخلة إطارا تحليليا يقوم على ثلاث عمليات مترابطة لتفسير تشكل الحاضنة المجتمعية للقضايا الدولية، تتمثل في "إنتاج المعنى" من خلال البحث العلمي والإعلام والتعليم، ثم "التداول المجتمعي" عبر مختلف المؤسسات والشبكات، وأخيرا "إعادة إنتاج المعرفة" بصورة مستمرة بما يسمح بظهور أجيال جديدة من الباحثين والإعلاميين والفاعلين المدنيين القادرين على تطوير القضية والدفاع عنها.

وأكدت أن المجتمع المدني لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مجموعة من الجمعيات، بل بوصفه منظومة متكاملة تضم الجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والنقابات والفاعلين الرقميين والجاليات في الخارج، مشددة على أن نجاح هذه المنظومة لا يقاس بعدد الفاعلين أو الأنشطة، وإنما بقدرتها على بناء شبكات مترابطة تتبادل المعرفة والخبرات وتنسق الجهود لتحقيق تأثير تراكمي ومستدام.

وفي الجانب التطبيقي، استخدمت المحاضِرة القضية الصحراوية في السياق الجزائري نموذجا لاختبار الإطار التحليلي المقترح، مشيرة إلى أن ثبات الموقف الرسمي الجزائري، إلى جانب الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية بين الشعبين الجزائري والصحراوي، يوفران بيئة مناسبة لدراسة كيفية انتقال الدعم السياسي إلى تجذر مجتمعي طويل الأمد.

وأوضحت أن تعزيز هذا التجذر يقتضي، إلى جانب الخطاب السياسي، توسيع مساهمة الجامعات ومراكز البحث والإعلام والمؤسسات الثقافية في إنتاج معرفة متخصصة ومتجددة حول القضية، وبناء شبكات تنسيق بين مختلف الفاعلين بما يضمن انتقال المعرفة إلى مختلف شرائح المجتمع واستمرارها عبر الزمن.

وفي ختام محاضرتها، دعت السيدة اعبيدة محمد مزين إلى إعطاء الأولوية لتعزيز البحث العلمي حول القضية الصحراوية، وتشجيع الإنتاج الأكاديمي متعدد اللغات، وبناء شبكات مؤسسية تجمع الباحثين والإعلاميين والجمعيات والفاعلين الرقميين، والاستثمار في تكوين جيل جديد من المختصين القادرين على إنتاج المعرفة، إلى جانب تطوير أدوات علمية لقياس مستوى الحضور المجتمعي للقضية، والانتقال من المبادرات المتفرقة إلى استراتيجية بعيدة المدى تجعل إنتاج المعرفة وإدارتها جزءا أصيلا من العمل الوطني.

وأكدت أن القضايا الوطنية لا تقاس فقط بعدد الدول التي تؤيدها أو القرارات الدولية التي تؤكد مشروعيتها، وإنما أيضا بعدد العقول التي تفهمها، والمؤسسات التي تنتج المعرفة عنها، والأجيال التي تتبناها عن اقتناع، معتبرة أن ذلك يمثل الضمان الحقيقي لاستدامة القضية الصحراوية وحضورها في المستقبل. (واص)

090/500/60  (واص)

Share