تندوف (الجزائر)، 28 فبراير 2026 (واص) - في سياق دولي يتسم بتزايد تفكك النظام متعدد الأطراف، وتوظيف النزاعات لأغراض جيوسياسية، و تراجع الإجماع حول القانون الدولي، يؤكد المؤتمر الجامعي حول القضية الصحراوية ضرورة وضع هذه القضية في صميم النقاش الأكاديمي والسياسي والقانوني. إن النزاع في الصحراء الغربية لا يشكل مسألة من الماضي ولا نزاعا إقليميا معزولا، بل يمثل حالة نموذجية لعملية تصفية استعمار لم تكتمل بعد، حيث يطرح تطوره تحديا مباشرا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي العام، ولنظام الأمم المتحدة، ولاستقرار منطقة المغرب العربي.
من منظور سياسي، يؤكد المؤتمر على أهمية تعزيز فضاءات أكاديمية تعددية للحوار تتيح تحليل النزاع من خلال مقاربات مقارنة ومتعددة التخصصات، بعيدا عن التبسيطات والتفسيرات الاختزالية. و يعد إجراء دراسة نقدية لمواقف مختلف الأطراف - بما في ذلك الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والدول المعنية مباشرة - أمرا أساسيا لفهم ديناميكيات حالة الجمود، وهوامش التفاوض القائمة، والانعكاسات الإقليمية الأوسع.
على الصعيد القانوني، يجدد المؤتمر التأكيد على مركزية مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، كما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة وتم تطويره في سياق ممارسة تصفية الاستعمار. كما يولي أهمية خاصة للأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية، ولا سيما رأيها الاستشاري لسنة 1975، إضافة إلى أهمية الاجتهادات القضائية لمحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقيات التجارة التي تمس الإقليم.
من منظور جيوسياسي، يلاحظ المؤتمر أن القضية الصحراوية تندرج ضمن سياق يتسم بالتنافس الاستراتيجي بين القوى، وإعادة تشكيل التحالفات في غرب البحر الأبيض المتوسط، وتزايد أهمية منطقة الساحل باعتبارها مجالا ذا أولوية في الأمن العالمي. إن توظيف النزاع في إطار الصراعات الإقليمية والدولية يقتضي مقاربة أكاديمية رصينة قادرة على التمييز بين المبادئ القانونية الواجبة التطبيق وبين موازين القوى التي تؤثر في تنفيذها الفعلي.
في هذا الصدد، تطرح التوصيات التالية:
1- تعزيز أوجه التآزر الأكاديمي المستدام بين الباحثين وأعضاء هيئات التدريس والمراكز الجامعية الوطنية والدولية المعنية بقضية الصحراء الغربية، بهدف توطيد شبكات التعاون العلمي. وينبغي أن تسعى هذه لجهود التآزرية إلى زيادة الإنتاج البحثي، وتعزيز التضامن الأكاديمي، وإبراز القضية الصحراوية ضمن المناهج الجامعية. ويمكن أن يشمل نموذج هذا التعاون جامعة تندوف، وجامعة التفاريتي، ومركز الدراسات الإفريقية بجامعة بورتو، ومركز دراسات الصحراء الغربية بسانتياغو دي كومبوستيلا.
2- العمل على نشر أعمال المؤتمر في مؤلف جامع - سواء في شكل كتاب أو عدد خاص من مجلة جامعة التفاريتي (Revista Tifariti) - يجمع أهم النتائج والمناقشات والاستنتاجات التي تم التوصل إليها.
3- تشجيع الأساتذة والباحثين المشاركين على التعريف بالقضية الصحراوية داخل مؤسساتهم الأكاديمية، وتحفيز الطلبة على إنجاز بحوث ومذكرات وأعمال أكاديمية تتناول هذا الموضوع.
4- العمل على إنشاء مرصد جامعي دائم حول النزاع في الصحراء الغربية، يتصور كفضاء متعدد التخصصات للتحليل والرصد وإنتاج المعرفة العلمية؛ أو بدلا من ذلك، الانخراط الفعال في المبادرات القائمة مثل المرصد الجامعي الدولي للصحراء الغربية (Observatorio Universitario Internacional del Sáhara Occidental)، بهدف تنسيق الجهود، وتفادي الازدواجية، وتعزيز الحضور الأكاديمي والدولي للدراسات المتعلقة بالقضية الصحراوية.
5- تعزيز الحوار بين الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني من خلال تنظيم منتديات مفتوحة وندوات وأنشطة جامعية تواصلية للانفتاح على المحيط، بهدف نقل المعرفة العلمية إلى الرأي العام والتصدي لحملات التضليل والدعاية التي أصبحت أدوات مستخدمة من قبل سلطات الاحتلال المغربية.
في الختام، يجدد المؤتمر التأكيد على أن الجامعة، بوصفها فضاء للفكر النقدي وإنتاج المعرفة، تتحمل مسؤولية المساهمة في الفهم الدقيق والعميق للنزاعات المعقدة مثل نزاع الصحراء الغربية. و أمام الاستقطاب والتبسيط الخطابي، يجب على المجتمع الأكاديمي الالتزام بالتحليل الرصين، والتمسك بالشرعية الدولية، والتعاون العلمي، بوصفها أدوات أساسية لتعزيز ثقافة السلام والعدالة واحترام القانون الدولي