اصدرت مفوضية الإتحاد الأوروبي بيانا مشتركا بين رئيسة المفوضية اورسولا فون دير لاين و مسؤول السياسة الخارجية و الأمن للإتحاد جوزيب بوريل و ذلك عقب صدور حكم محكمة العدل الأوروبية يوم 4 اكتوبر الجاري و القاضي ببطلان الإتفاقيات المبرمة بين الإتحاد الأوروبي و المغرب و التى بموجبها يقوم الطرفان بنهب و إستغلال الثروات الطبيعية و الخيرات الوطنية الصحراوية.
البيان المشترك السالف الذكر إنتهي بالتأكيد على مبدإ قانوني هو أن العقد يعتبر " شريعة للمتعاقدين" الشيء الذى يجعل أن تنفيذه يصبح إلزاميا على اطرافه.
يقول البيان ما يلي:
" و بالتعاون الوثيق مع المغرب، يعتزم الاتحاد الأوروبي الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع المغرب ومواصلة تعزيزها في جميع مجالات الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وفقا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين"
و نصه الأصلي بالإنجليزية هو الآتي:
" In close cooperation with Morocco, the EU firmly intends to preserve and continue strengthening close relations with Morrocco in all areas of the Morocco-EU Partnership, in line with the principle of pacta sunt servanda".
مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" يحيل إلى أن العقد، أي عقد، من الناحية القانونية يلزم المتعاقدين بتنفيذ ما تم التعاقد حوله و يصبح الشريعة بينهم. و يتطلب تطبيقه بحسن نية و بدون تردد.
و يعود تاريخ التعامل بمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" (Pacta sunt servanda) إلى عهود و ازمنة بعيدة و صياغته باللغة اللاتينية تؤشر على دخوله حيز التنفيذ فى العهد الروماني.
و كما هو معروف فإن الوفاء بالعهد من أهم التعاليم الاسلامية، بالنسبة للمسلمين، لأنه هو الشرط الاول للتعاقد كما جاء فى كتاب الله العزيز :" يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"
و فى الأزمنة الحديثة اعتمد مبدا العقد شريعة للمتعاقدين فى المادة 26 من معاهدة فيينا حول قانون المعاهدات الصادرة عام 1969 و تم تأكيده سنة 1986 فى قانون الإتفاقيات فيما بين المنظمات على المستوى الدولي و فيما بينها و بين الدول.
بعد هذه المقدمة و هذا التوضيح فيما يتعلق بمعني المبدأ و مقاصده و تاريخه نفدم الآن كيف إن إستعماله فى البيان المشترك بين رئيسة المفوضية الأوروبية و مسؤول السياسة الخارجية و الأمن للإتحاد الأوروبي لطمأنة المحتل المغربي بعد إبطال الاتفاقيات بينهما من طرف المحكمة الأوروبية، كونها تضم الصحراء الغربية و ثرواتها، أن استعماله، إذن، فى هذه الحالة يشكل خطأ فادحا و مغالطة بائسة و تزويرا لا بد لنا من فضحه و شجبه.
و بالفغل ، فالعقد هو شريعة المتعاقدين إذا كان محله أي موضوعه مشروعا و لا يتناقض مع احكام القانون.
و لكي يكون العقد صالحا، طبقا للقانون و مبادئه الأساسية، سواء كان فى القانون المدني او فى القانون الدولي، فلا يجب أن يحرم حلالا او ان يحلل حراما.
و إنطلاقا من الاحكام العامة للقانون و مبادئه اصدرت محكمة العدل الأوروبية حكمها النهائي ببطلان الإتفاقيات المبرمة بين الإتحاد الأوروبي و المغرب نتيحة أن المغرب لا يمتلك أي سيادة على الصحراء الغربية و أنهما بلدان منفصلان و متمايزان.
و ما دامت الشرعية الدولية، كما هي معتمدة فى المعاهدات و القرارات الصادرة عن المنظمات و المحاكم الدولية و الاقليمية، تقر بالسيادة الدائمة للشعوب على اوطانها و ثرواتها فإن العقود حول بلدانها و خيراتها تصبح باطلة إذا تمت تحت الاستعمار او الإحتلال الأجنبي لتلك الشعوب و البلدان.
و هذا بالضبط ما حكمت به محكمة العدل الأوروبية فيما يتعلق بالاتفاقيات التي ابرمها الإتحاد الأوروبي مع المغرب لأن الصحراء الغربية بلد ثالث و طرف اجنبي لا يمكن أن يكون ترابه محل تعاقد بين الإتحاد الأوروبي و المغرب.
و اشتراط محكمة العدل الأوروبية قبول الشعب الصحراوي لأي إتفاق حول وطنه او ثرواته يدل على أن غياب ذلك القبول الصريح شكل سببا كافيا لقرار إلغاء الإتفاقيات المذكورة و الحكم عليها بالبطلان من لدن المحكمة لأن كلا من الإتحاد الأوروبي و المغرب أطراف اجنبية عن الصحراء الغربية و شعبها.
و من جهة أخرى أكدت المحكمة الأوروبية أن جبهة البوليساريو التى هي الممثل الشرعي للشعب الصحراوي و المعترف به من طرف الأمم المتحدة هي المؤهلة للتوقيع على اية إتفاقية او معاهدة حول الصحراء الغربية و ثرواتها و لها كامل الأهلية للدفاع عن جميع حقوق شعب الصحراء الغربية و الترافع عنها
و يتضح من كل ما سبق أن تذييل مفوضية الإتحاد الأوروبي لبيانها المشترك بالتذكير بمبدإ "العقد شريعة المتعاقدين " و كان الأمر يعني حصول و اكتمال شروط التعاقد و هذا عقب صدور الحكم النهائي بإلغاء الإفاقيات المبرمة مع المغرب بسبب فقدان الطرفين المتعاقدين الأوروبي و المغربي لأهلية التعاقد و الإتفاق على بلد اجنبي هو الصحراء الغربية، يتضح إذن ، أن ذلك التذكير بالمبدإ هنا يفتقد لأي سند قانوني و يشكل تزويرا و مغالطة لأن الإتفاقيات التى ابرمها الإتحاد الأوروبي مع المغرب ليست سوى إتفاقيات لصوصية لنهب الثروات الطبيعية و الخيرات الوطنية الصحراوية التى تقع تحت الإحتلال الاستيطاني المغربي.
لقد صنفت كل من الأمم المتحدة الإستعمار و الإحتلال الأجنبي بانهما جريمة ضد الإنسانية و من تلك الزواية يعتبر أي إتفاق مع المحتل المغربي حول الصحراء الغربية و ثرواتها باطل و جريمة ضد الإنسانية من الناحيتين القانونية و الأخلاقية.
فى الإتفاقيات بين الإتحاد الأوروبي و المغرب يكون قد وقع من لا يملك مع من لا يستحق.
لقد نطقت محكمة العدل الأوروبية بكلمة الفصل. قالت أنه لا يوجد أي شيء فوق القانون الذى يجب الامتثال لأحكامه من لدن الإتحاد و مؤسساته و دوله بصفة جماعية كما على المستوى الفردي.
أمحمد/البخاري 10 اكتوبر 2024